السيد عباس علي الموسوي

63

شرح نهج البلاغة

بالأحجار والصخور التي تراكم بعضها على بعض اللاصقة بالأرض المشقوقة التي بناها بنّاؤها وهو يعلم أنها ستمتد إليها يد الخراب وستهدم في يوم ما وخصوصا أنها قد بنيت بالتراب الذي هو أسرع في التحلل والفناء والاندراس . . . ( فمحلها مقترب وساكنها مغترب ) القبور متلاصقة لا يفصل أحدها عن الآخر إلا بعض خطوات وقد لا يفصلها إلا جدار بسيط ولكن أهل تلك القبور يعيشون الغربة فلا أنيس ولا صديق . . . ولا سمير ولا من إليه يشكى أو منه يشتكى . . . ( بين أهل محلة موحشين ) فهم أهل حي واحد بل دار واحدة ومع ذلك يستوحش الإنسان الحي منهم إذا دخل حيهم ، فلا يستأنسون بالأحياء ولا الأحياء يستأنسون بهم . . . ( وأهل فراغ متشاغلين ) فهم أهل فراغ لا تشغلهم أموالهم ولا أولادهم ولا أنفسهم كما هي حال أهل الدنيا ولكن مع ذلك في شغل كل بما ارتكب في الدنيا من عمل وما جنت يداه من الإثم . . . ( لا يستأنسون بالأوطان ) فأهل الوطن الواحد يرتاحون لبعضهم ويعيشون فيما بينهم ، يطردون الوحشة بالحديث والحوار والسمر واللقاء وأما الأموات فإنهم وإن كانوا أهل وطن واحد وهو عالم البرزخ ولكن مع ذلك في وحشة وعدم أنس . . . ( ولا يتواصلون تواصل الجيران على ما بينهم من قرب الجوار ودنو الدار وكيف يكون بينهم تزاور وقد طحنهم بكلكه البلى وأكلتهم الجنادل والثرى ) فهؤلاء الأموات يخالفون سنن الجيران في اللقاء والهدايا والتحيات فهم مع قربهم وجيرتهم فإنهم لا يزور أحد أحدا ولا يعرف أحد أحدا ولا يلتقي أحد مع أحد . ثم استفهم مستنكرا لقاؤهم وأن يحدث شيء من ذلك بأنه كيف وقد صيرهم الموت رميما وأفنتهم الحجارة والتراب ، فقد شبهّ البلى بالجمل الذي ألقى بصدره على عدوه فدقه وطحنه والمراد أنهم لا يمكنهم زيارة بعضهم لتفتت أجسامهم وانحلالها . . . ( وكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه وارتهنكم ذلك المضجع وضمكم ذلك المستودع ) هذا تذكير للحاضرين بأنهم سيلحقون بالماضين وأنهم على أثرهم وبأقصى سرعة ممكنة سيصيرون . . . إنهم سيصيرون إلى ما صاروا إليه من ضيق القبور بدل سعة القصور وسيعيش كل في قبره رهين عمله يضمه ذلك المستودع إلى أن يحين يوم الحساب فيكشف عنه ويقف بين يدي اللّه لنيل الجزاء . . .